Site icon بوابة التحالف الإخبارية

الدكتور عبدالهادي محمد عبدالهادي يكتب :في اليوم العالمي للإذاعة نتذكر- من هو مخترع الراديو؟!

من هوالأب الشرعي لاختراع الراديو ماركوني أم تسلا ، أوليفر لودج أم الكساندر بوبوف 

أى قراءة منصفة لتاريخ الراديو أن تعترف بفضل رواد الكهرباء والمغناطيسية، الذين مهدوا الطريق لظهور الراديو، ومن بعده التليفزيون، والوسائط الحديثة

في اليوم العالمي للإذاعة نتذكر: من هو مخترع الراديو؟!

كتب الدكتور عبدالهادي محمد عبدالهادي 

ليس هناك اتفاق حتى الآن على من هو المخترع الحقيقي للراديو، فللنجاح دائما أكثر من أب، ولا يخلو تاريخ الراديو من المنافسة والصراع والغموض والدراما.

الشائع أن رجل الأعمال الإيطالي “جوليلمو ماركوني” هو الأب الروحي للإذاعة، كان ماركوني يعيش في إنجلترا، ويسعى من أجل إبتكار جهاز للإتصال عن بعد، وأجرى تجارب لإرسال واستقبال الموجات، وتوسيع المدى الذي يمكن أن تصل إليه، ولكنه إعتمد في تجاربه على أجهزة وأدوات صممها آخرين.

في عام 1895 كان نيقولا تسلا في الولايات المتحدة قد إخترع مولدات ومحولات ومحركات التيار المتردد وحصل على براءات إختراع  وباع حقوقها إلى شركة “جورج وستنجهاوس” بمبلغ معتبر وأسس به مختبره الخاص، حيث اخترع- ضمن ما اخترع- ملف تسلا، أو ملف الحث. وعن طريقه اكتشف أنه يمكنه إرسال واستقبال إشارات الراديو، عندما يتم ضبط المرسل والمستقبل على نفس التردد، عندها تحدث ظاهرة الرنين، التي تعني زيادة هائلة في الطاقة الكهربية. ويستخدم ملف تسلا حتى الآن على نطاق واسع في دوائر الراديو والتليفزيون. ونجح في إرسال إشارة واستقبالها على بعد 50 ميلا إلى “ويست بوينت” بنيويورك، لكن حريقا هائلا إلتهم المختبر في نفس العام.

في بريطانيا يرى مؤرخو العلوم أن الإنجليزي “أوليفر لودج” هو مخترع الراديو.لأنه في نفس التوقيت تقريبا، توصل الفيزيائي الإنجليزي “أوليفر لودج”، أثناء عمله على موانع الصواعق، إلى توليد الموجات وبثها، لكن عبر أسلاك توصيل، وليس في الهواء.

وفي روسيا، يعتبرون الفيزيائي “ألكساندر بوبوف” هو الأب الروحي للراديو، ويحتفلون بيوم الإذاعة في 7 مايو من كل عام، في ذكرى اليوم الذي عرض فيه بوبوف العامة لإرسال وإستقبال موجات الراديو في 7 مايو 1895 في “سان بيترس برج”.

قدم نيقولا تسلا و أوليفر لودج وألكساندر بوبوف عروضا عامة ومحاضرات، لكن أحدا منهم لم يقدم طلبا للحصول على براءة إختراع، لكن في عام 1896 ماركوني نجح في الحصول على براءة اختراع للراديو في إنجلترا، وردا على مزاعم شككت في قدرة جهازه على العمل بكفاءة عبر المسطحات المائية، قدم في وقت لاحق عرضا عاما لتأكيد قدرة جهازه في إرسال الإشارات عبر القنال الإنجليزى، لكنه استخدم في عرضه ملف تسلا، أو مذبذب تسلا!

في 1897 قدم تسلا طلبا للحصول على براءة اختراع الراديو في الولايات المتحدة، ولم يحصل عليها إلا بعد ثلاث سنوات في عام 1900، وفي نوفمبر من نفس العام، تقدم ماركوني للحصول على براءة اختراع في الولايات المتحدة، لكن طلبه قوبل بالرفض، وعلى مدار ثلاث سنوات تاليه، رفضت كل طلبات بسبب أسبقية اختراع تسلا. وعلق مسئول بمكتب براءات الاختراع على زعم ماركوني أنه لا يعرف مذبذب تسلا بأنه نوع من العبث، لأن مصطلح مذبذب تسلا أصبح معروفا ومألوفا ومنتشرا في أوربا وأمريكا الشمالية.

لكن لا توجد براءة إختراع آمنة ومضمونة للأبد!

كانت شركة ماركوني للإتصالات اللاسلكية التي أسسها ماركوني في إنجلترا عام 1900 قد بدأت في الإزدهار بسبب علاقات العائلة مع الأرستقراطية الإنجليزية، وارتفعت قيمة سهم الشركة من 3 دولار إلى 22 دولارا للسهم، وبدا أن الإستثمار في الشركة واعد للكثيرين، وبدأ توماس إديسون-العدو اللدود لتسلا- وأندرو كارنيجي، الإستثمار في الشركة وتأسيس شركة ” ماركوني الأمريكية”، وأصبح إديسون مهندسا إستشاريا في الشركة. وفي 12 ديسمبر 1901 نجح ماركوني لأول مرة في إرسال وإستقبال إشارات الراديو عبر المحيط الأطلنطي.

وبدا وكأن ماركوني قد فاز في سباق الراديو، ما دفع أوتيس بوند، أحد المهندسين العاملين مع تسلا، لان يقول له “أن ماركوني قد فاز عليك في سباق الراديو”، وكان رد تسلا  بأن “ماركوني رفيق جيد، دعه يستمر، إنه يستخدم سبعة عشر من براءات الإختراع الخاصة بي”.

لكن ثقة تسلا تبخرت في عام 1904، عندما غير مكتب براءات الاختراع الأمريكي -فجأة- قراره السابق، ومنح ماركوني براءة اختراع للراديو! ومع أن أحدا لم يفسر أسباب ذلك التحول، لكن الدعم المالي والسياسي القوي لماركوني ونفوذ إديسون وكارنيجي، يوحيان بتفسير واحد محتمل.

وعندما فاز ماركوني بجائزة نوبل عام 1909 مناصفة مع الألماني كارل فرديناند براين، غضب تسلا غضبا شديدا، ورفع دعوى قضائية ضد شركة ماركوني، بتهمة التعدي على حقوق براءة اختراعه، لكنه لم يكن في وضع مالي يسمح له بالإنفاق على التقاضي لزمن طويل. لكن الدعوي أقيمت من الفيزيائي الأمريكي “لي دي فورست”، مخترع الصمام الثلاثي المفرغ، والمنافس الأبرز لماركوني، وكبير العلماء في شركة الهاتف والتلغراف اللاسلكي الأمريكية، التي إستولي عليها ماركوني عام 1912 بعد سلسلة من الفضائح المالية.

طالب دي فورست بحماية براءة اختراعه، وطالب المحكمة بسماع شهادة الألماني “كارل براين” شريك ماركوني في جائزة نوبل، ووصل براين إلى أمريكا في عام 1917 بالفعل، لكنه لم يتمكن من الإدلاء بشهادته، بعدما أعلنت الولايات المتحدة دخول الحرب العالمية الأولي، ولكونه ألمانيا أعتبر من الأعداء، وقبض عليه وفرضت عليه الإقامة الجبرية حتى مات في 1918.

مات ألكساندر بوبوف في 1906، ومات ماركوني 1937، مات أوليفر لودج 1940، وأخيرا مات تسلا في 1943. وبعد أشهر من وفاته، قضت المحكمة العليا في الولايات المتحدة بأحقيته في براءة اختراع الراديو رقم: 576 645.

وجاء الحكم في قضية كانت شركة ماركوني قد رفعتها ضد الحكومة الأمريكية،  تطالبها بتعويضات لإستخدامها براءات الإختراع الخاصة بها خلال الحرب العالمية الأولى، وحتى لا تدفع الولايات المتحدة التعويضات المطلوبة، أعادت براءة إختراع الراديو إلى نيقولا تسلا.

ظهرت الإذاعة عام 1920، و يمكننا القول–دون مبالغة- أن أحدا–بعينه- لم يخترع الراديو فى صورته التى نعرفها الآن. وليس من الإنصاف مكافأة من يحرزون الأهداف، وتجاهل من يصنعونها ويساعدون فى الوصول للمرمى، ولا من العدل أن نحكى القصة من آخرها، لذا يتوجب على أى قراءة منصفة لتاريخ الراديو أن تعترف بفضل رواد الكهرباء والمغناطيسية، الذين مهدوا الطريق لظهور الراديو، ومن بعده التليفزيون، والوسائط الحديثة.

من أبرز هؤلاء الرواد: وليم جيبلبرت، وبنيامين فرانكلين، وشارل دو كولوم، ولويجى جالفانى، أليساندرو فولتا، وأندريا مارى أمبير. لكن لم تكن هناك نظرية واحدة مترابطة، يمكنها أن تفسر نتائج التجارب التي قام بها هؤلاء الرواد، بدت معارفهم كشذرات متفرقة لا رابط بينها.

وإذا كان لكل موضوع بداية، فليكن عالم الفيزياء الإسكتلندي العظيم “جيمس كليرك ماكسويل” هو البداية. فالراديو، والرادار، والتليفزيون، والواي فاي، وكل وسائل الإتصال اللاسلكية، مدينة بالكثير لهذا العالم العلامة صاحب المقام الرفيع. إكتشف ماكسويل أن الكهرباء تتحرك بسرعة الضوء، ومن ثم اعتبر الضوء موجة كهرومغناطيسية، وكشفت تجارب “فاراداي” أن المغناطيسية المتغيرة تولد الكهرباء، و اكتشف الدانماركي “هانز أورستد”، أن التيار الكهربي دائما مي يكون له مجال مغناطيسي مرافق، يمكن الإستدلال على وجوده عن طريق إنحراف إبرة مغناطيسية (بوصلة) مجاورة.

أسس ماكسويل نظرية الكهرومغناطيسية. الضوء موجة، تتكون من كهرباء ومغناطيسية، ويمكن توليد موجات كهرومغناطيسية -أقل أو أكبر- في الطاقة من الضوء المرئئ، وهو ما أكدته التجارب. عاش “هنريك هرتز” الفيزيائي الألماني 37 عاما فقط، أجرى خلالها عددا من التجارب التي برهنت على صحة نظرية ماكسويل، ونجح في توليد  موجات الراديو في المختبر، وأطلق عليها في البداية “موجات هرتز”، وصمم أول أجهزة لإرسال واستقبال موجات الراديو، ونجح في إرسالها واستقبالها لا سلكيا، لكن على مدي قصير نسبيا.

لن يكتمل هذا العرض الموجز لتاريخ الراديو دون لمحة سريعة عن ثلاثة آخرين: الأول، “إرنست ألكسندرسون”، السويدى-الأمريكي، كان ألكسندرسون يعمل في شركة جنرال إلكتريك، و اخترع أول مذبذب لنقل الكلام- الأصوات، وليس النقاط والشرطات كما هو الحال في التلغراف. الثاني، “ريجنالد فيسندن”، الكندي، الذي طور طريقة لتحميل الصوت على موجات الراديو الناقلة، ومع أن تجاربه الأولى كانت فاشلة، لكنه نجح في عام 1906 في إرسال الصوت لمسافة بعيدة من برانت-روك بولاية ماساتشوستس. أما الثالث، فهو “إدوين ارمسترونج”، مخترع تقنية البث بطريقة FM وله قصة أخرى تستحق أن أحكيها لكم في الوقت المناسب!

تعتبر اليونسكو 13 فبراير من كل عام يوما عالميا للإذاعة، وهو اليوم الذي انطلقت فيه إذاعة الأمم المتحدة عام 1946، ومع أن عمر الإذاعة قد تجاوز القرن، إلا أنها برغم التليفزيون والهواتف الذكية وأجهزة الكومبيوتر المحمولة ووسائل التواصل الإجتماعي، لا تزال أكثر الوسائل الدعائية استقرارا، بحسب مؤسسة “إجما” للتحليل الإعلامي، ومقرها فرانكفورت بألمانيا.

 

 

 

 

Exit mobile version