الرئيسية » اقتصاد » محمد شيرين الهواري يكتب : فته ولحمة ورز

محمد شيرين الهواري يكتب : فته ولحمة ورز

مما لا شك فيه على الإطلاق أن اللحوم قد تحولت بالنسبة لمعظم المصريين إلى سلعة شديدة الرفاهية يشاهدونها فقط فى واجهات محلات الجزارة ولكن ليس على موائد طعامهم حيث أدى الإرتفاع الجنونى لأسعارها إلى شبه إنعدام قدرة المواطن البسيط على شراءها ولو مرة واحدة فى الشهر.

وفى الوقت نفسه لا نجد أن الحكومة تفعل شيئاً ملموساً لتخفيض قيمتها أو حتى الإبقاء على المستويات السعرية الحالية التى من المتوقع ارتفاعها مجدداً فى القريب العاجل بما فى ذلك بدائل اللحم البقرى التى كانوا يلجأون البعض إليها مثل الجملى والضأن وهذا رغم إعلانها فى شهر يونيو الماضى عن إعادة إحياء “مشروع البتلو” بعد توقفه منذ عام 2004 من خلال تحفيز المربيين بإعطائهم قروضاً منخفضة الفائدة بنسبة 5% من خلال “البنك الزراعى المصرى” وهى المبادرة التى تبناها رئيس الجمهورية نفسه لزيادة المعروض من اللحوم وبالتالى كبح جماح أسعارها.

إلا أن الإقبال على هذه القروض جاء مخيباً للأمال وهو ما كان مُتوقعاً نظراً لغياب خطة تسويقية بآليات محددة تضمن قدرة المقترض على السداد بصرف النظر عن انخفاض أو ارتفاع الفوائد، خاصة بالنظر إلى تاريخ “البنك الزراعى المصرى” عندما كان لا يزال يعمل تحت اسم “البنك الرئيسى للتنمية والائتمان الزراعى” ولم يتوانى وقتها عن رفع القضايا على الفلاحين المتعثرين والحجز على ممتلكاتهم، بل وتهديدهم بالسجن وملاحقتهم أمنياً وربما كانت حالة فلاحى بنى سويف فى أبريل الماضى هى التعبير الأكثر قسوة عن الوضع المأزوم لهولاء والذى لعب دوراً مُنفراً لكل من كان يفكر فى الاستفادة من قروض مشروع البتلو.

ومن ثم لم يتغير شيئاً فى الفجوة الكبيرة ما بين إنتاج اللحوم والطلب عليها حيث لا يتعدى إجمالى الإنتاج المحلى حالياً 50 ألف رأس ماشية بينما تم فى العام الماضى استيراد حوالى 150 ألف رأس معظمها من البرازيل (50% من إجمالى الكميات المُستوردة و23% من إجمالى الاستهلاك) والهند وأوروجواى وروسيا والسودان بالإضافة إلى 135 ألف طن من الكبدة وحوالى 600 ألف طن من اللحوم المُجمدة.

وبالنظر إلى ذلك لعب بطبيعة الحال تعويم الجنيه فى 3 نوفمبر 2016 دوراً محورياً فى زيادة تكلفة الاستيراد ومن ثم ارتفاع أسعار الخام والمُنتج النهائى على حد سواء بالرغم من ضعف جودة بعض هذه اللحوم بما يصل فى بعض الأحيان إلى ما يُشكل خطراً على صحة المواطن ويكفى فى هذا الصدد الإشارة إلى فضيحة أثنين من كبرى المجازر البرازيلية التى ضُبطت بها كميات هائلة من اللحوم الفاسدة بداية هذا العام.

وبالتالى يجب على الحكومة تبنى استراتيجية حقيقية وقابلة للتحقيق فى التعامل مع هذه القضية بدلاً من إطلاق الشعارات والاعتماد على مبادرات غير مُهيكلة هيكلة كاملة ولا تنظر إلى الموضوع من جوانبه كافة ولكن تكتفى بمجرد كونها فكرة عامة ليست لها واقعياً قيمة مُضافة وفاقدة القدرة على تقديم الحلول المُستدامة.

ولا مفر من أن تتضمن هذه الاستراتيجية وجود آليات للتمويل الآمن بالنسبة للمربيين وقد تكون مبادرة لدعم إنتاج المواشى عبر التأجير التمويلى بالنسبة للمعدات اللازمة والتخصيم بالنسبة لمصاريف التربية نفسها، أى الأدوات المالية غير المصرفية، هى الطرق الأكثر فعالية فى الوقت الراهن بدلاً من القروض التقليدية وستجئ بمثابة دفعة قوية لصغار المربيين. ولا يتطلب تفعيل تلك الخطوة سوى تحويل القروض ذات الفائدة المنخفضة إلى شركات التأجير التمويلى والتخصيم مع وضع ضوابط محددة لتوظيفها فى مجال تربية المواشى.

كما يجب النظر أيضاً بعين الاعتبار إلى إستحداث منظومة تملك القدرة على إعادة صياغة العلاقة بين المربى، خاصة الصغير، من ناحية والدولة من ناحية أخرى بحيث يحصل الأول على مجموعة من الامتيازات تشجعه على التوسع فى الإنتاج ورفع جودته مثل أن تعفيه من الضريبة على القيمة المُضافة لمدة تتراوح ما بين ثلاثة إلى خمسة سنوات وتستصدر ما يلزم من تشريعات تُمكنه من الصمود فى مواجهة الشركات الكبرى المُحتكرة للمُصنعات الجاهزة من اللحوم وتدفع أسعار التوريد إليها إلى مستويات متدنية للغاية وتُقصر تعاملاتها على كبار المربيين فقط فى شراء ما يلزمها من خامات.

الحقيقة هى أن الموضوع برمته يحتاج إلى خلق مناخ مناسب ومتكامل يدعم ليس فقط المربيين ولكن أيضاً منظومة النقل والتوزيع التى تعانى من قصور شديد وهو الأمر الذى يُصعب كثيراً من عملية النهوض بالقطاع فى ظل نقص الإمكانيات بشكل عام.

بعبارة أخرى: إن أردنا للمواطن المصرى البسيط أن يأكل “فتة ولحمة ورز” يجب على الدولة التركيز على إجراءات فعلية لدعم إنتاج اللحوم فى مصر والتخلى عن أسلوب “الفرقعة” المُعدة خصيصاً للاستهلاك الإعلامى البحت دون أن تحمل فى جوفها فكر حقيقى يُمكن تحويله إلى واقع يستفيد منه الشعب ويُحسن من مستوى معيشته المتدهور.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.