الرئيسية » مقالات » محمد عبدالحليم يكتب: ضربني وبكى!

محمد عبدالحليم يكتب: ضربني وبكى!

على طريقة ضربني وبكى، سبقني واشتكى” يمضي اتباع الليبرالية الجديدة في قلب الحقائق وتغييب العقول، سمعت من فترة أحدهم يفسر انتفاضات شعوب أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية (دول الاتحاد السوفيتي السابق التي تحولت إلى المعسكر الرأسمالي في ثمانينات القرن الماضي) على أنها “انتفاضات” لاستكمال نجاح النظام الرأسمالي في تلك الدول.

يستكمل صاحبنا تحليله “الرائع” بأن تلك الشعوب المنتفضة ضدد سياسات الرأسمالية قد تطلعت للحصول على مزيد من الحريات السياسية بعد حصولهم على نصيب وافر من الخدمات الأساسية.

على غرابة هذا الادعاء وخسته؛ فانه لا يثير في أي تعجب أو أندهاش، فماذا أنتظر من أتباع آدم سميث وفريدمان؟
أليس هؤلاء من أبلونا بتنظيرات من قبيل “الأجر الحديدي” و”حد الكفاف”، تلك التنظيرات التي حكم بموجبها على ملايين الشغيلة في دول الغرب الرأسمالي ومستعمراتها بالعمل 16 و18 ساعة يوميا مقابل أجور هزيله تكفيهم بالكاد للبقاء على قيد الحياة إبان الثورة الصناعية.

وكيف برروا استغلال الرأسماليين لملايين العمال بزعم أن هذا هو الثمن الطبيعي الذي علينا أن ندفعه في سبيل التقدم والتنمية، وكأن التقدم لن يكون إلا على جثث ألوف العمال من النساء والأطفال العاملين في مصانع الغزل والنسيج في مانشستر، أو على جثث ملايين الفلاحين في بر مصر لشق قناة السويس.

ولم تتوقف بجاحة “اتباع فريدمان” عند هذا القدر، بل امتدت للهجوم على المنادين بنظام جديد يمنع استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، وهؤلاء المنادين باتباع سياسات تنموية مستقلة قائمة على تكافؤ الفرص بين الدول النامية والدول الرأسمالية المتقدمة، متجاهلين أبسط الحقائق التاريخية لتجارب الدول المتقدمة نفسها، والتي توضح أن بناء تلك الدول لصناعتها المتقدمة قد تم تحت ستار من الحماية الاقتصادية لمنتجاتها الوليدة.

وتناسوا أن نفس تلك الدول التي تتشدق بمقولات فريدمان هي من صدرت لنا نظريات تنادي بضرورة وضع سياسات لحماية الصناعات الناشئة ليمكنها من الصمود في وجه الصناعات المتقدمة للدول التي قطعت شوطا على طريق التقدم الصناعي والازدهار الاقتصادي، كنظرية “حماية الصناعة الناشئة ” للاقتصادي الألماني الشهير “فريدريك ليست” المهاجر لأمريكا والذي وصف مناداة انجلترا بحرية التجارة الدولية وإزالة العوائق التجارية امام المنتجات الإنجليزية، حين أخرزت منتجاتها قدرة تنافسية عالية مقارنة بصناعات الدول الاوروبية الآخرى، بأنها كمن يرفس السلم الذي صعد عليه للقمة، كي لا يلحق به أحدا، في إشارة واضحة منه لأهمية السياسات الحمائية للصناعات الوطنية الوليدة.

كأي دارس لعلم الاقتصاد، أعلم أن تبدل مواقف ونظريات الساسة والاقتصاديين لهو من طبائع الأمور، نظرا لاختلاف المصالح الطبقية التي يمثلها كلا منهم، ولا أتعجب مطلقا من ترويج المؤسسات الدولية ودول الغرب الرأسمالي لسياسات ونظريات حرية التجارة والسوق الحر وتقزيم دور الحكومة في الميدان الاقتصادي، فهم المستفيدون الحصريون من تطبيق دولنا النامية لتلك السياسات.

لكن ما يجعلني أتعجب حقا أتعجب سماع أغلب أساتذة الاقتصاد في جامعتنا ومراكزنا البحثية يتحدثون كملاك للحقيقة المطلقة، عن تجاوز العصر للتنظيرات الاشتراكية والعدالة الاجتماعية، وانه لا سبيل للتقدم إلا بتطبيق سياسات الليبرالية الجديدة، ورفضهم أي طرح مغاير لتلك النظريات، كأننا نسب آلهتهم التي آلفوها، أو أننا بصدد دحض إحدى الحقائق الرياضية الثابتة كواحد زائد واحد يساوي اثنان، وكأننا ليس في ميدان علم يتسع للمزيد من الآراء والنظريات المنبثقة من واقعنا كدول ساعية للتقدم في سياقات تاريخية مختلفة عن دول الغرب.

أتذكر مداعبة “كينز” الاقتصادي الانجليزي المشهور، في هذا الصدد، حين قال انك إذا طلبت من ستة أقتصاديين أن يخبروك برأيهم في قضية ما، فانك ستحصل على سبعة آراء، فقليلا من ترك المجال أمام الحالمين بعالم أفضل لأوطانهم بعيدا عن شراك العولمة وهيمنة الغرب الراسمالية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*