الرئيسية » مقالات » محمد عبدالحليم يكتب: ليس بالشاورما تبنى الأوطان

محمد عبدالحليم يكتب: ليس بالشاورما تبنى الأوطان

بعد يوم عمل طويل وعناء مع الأرقام والحسابات، أجلس أمام التلفاز لأشاهد أحد الأفلام القديمة أو كي استمتع بإحدى حفلات عبد الحليم حافظ، ولكني من الحين للآخر، ألقي نظرة خاطفة على بعض فقرات برامج التوك شو.

استوقفني كثيرا تعليق أحد مقدمي البرامج، على ظاهرة المحال السورية التي ضربت قلب المدن المصرية منذ أربعة سنوات تقريبا، أي منذ توافد الأشقاء السوريين على مصر هربا من جحيم السلطة والجماعات الإرهابية، لم يكن مجرد ثناء على النجاح التجاري الذي لاقته تلك المشاريع، بل كان “وصلة ردح ” للشباب المصري الكسول الذي لا يجيد شيئا في الحياة سوى التذمر والاستياء.

وتناسى المذيع اللزج، الذي يتقاضى الملايين ليخرج علينا كل يوم بسخافاته، مئات الحوادث لغرق مراكب محملة بمئات الشباب المصري على سواحل الشواطئ الأوروبية، أملا في الحصول على فرصة عمل وحياة كريمة، وعشرات الحوادث اليومية لإهانة أو تعذيب مصريين في دول الخليج العاملين تحت وطأة قانون السخرة المسمى بنظام الكفيل.

واكتشف، أن ما قاله هذا اللزج لا يعبر عن مجرد رأي أخرق بل انه جزء من حملة منظمة تشنها صحف وقنوات حكومية وخاصة، ورأيت تزييف للحقائق وتغييب للمعلومات يمارسه باقتدار رجال الحكومة وبعض الاقتصاديين المحسوبين عليها بشأن مشاريع الشاورما والحلويات الشامية الجبارة لأشقاءنا السوريين، وسط صخب إعلامي وهتافات وكأننا نشهد افتتاح السد العالي أو مجمع الحديد والصلب بحلوان.

وللأسف لاقت تلك الحملة نجاحا في بعض أوساط الطبقة الوسطى وبعض الفئات منخفضة الوعي في مجتمعنا، حتى أنني سمعت احدهم في وسيلة مواصلات يقولها بالفم المليان “لو كلنا اشتغلنا زي العيال السوريين، بلادنا دي هتبقى أحسن بلد”.

فتساءلت بيني وبين نفسي هل يمكن فعلا أن تبنى الأوطان بالشاورما؟ وهل يمكن لمشبك حلبي أن يوصلنا لمصاف الدول المتقدمة؟ وان كان الأمر كذلك فلماذا الشاورما السوري تحديدا؟ فلماذا لا يكون الأمل في الحواوشي الإسكندراني مثلا؟

ولأني باحث اقتصادي أولا، وإخصائي تمويل مشروعات صغيرة -هذا هو المسمى الوظيفي لي- اعلم جيدا من خبرات التنمية على امتداد التاريخ أن الدولة كان لها دور محوري دائما في صنع التنمية، وحتى في التجارب التي كان للسوق دورا في صنع التنمية، كان ذلك يتم بإشراف الدولة وتدخلها المباشر في التخطيط والإنتاج وفي صناعات معينة، ولتنمية ميزات نسبية في صناعات بذاتها، وذلك باستعمال حزم لا يستهان بها من سياسات استثمارية وتجارية وصناعية، لا سيما الحماية الجمركية والدعم للصناعات الناشئة وللصادرات، وكذلك السياسات الهادفة لبناء قدرات علمية وتكنولوجية وطنية.

فبمطالعة تجارب بعض الدول التي حققت نجاحا في توظيف المشروعات الصغيرة والمتوسطة في خدمة التنمية الاقتصادية بها، نكتشف أن نجاح تلك التجارب قد توقف على عوامل وسياقات مغايرة تماما عن سياق “صوابع الست” الذي تروج له الحكومة المصرية وإعلامنا المبجل.

ففي اليابان على سبيل المثال، استطاعت المشروعات الصغيرة والمتوسطة في توفير 72% من احتياجات ومستلزمات الصناعات المعدنية و76% من احتياجات الصناعات الهندسية و79% من مستلزمات صناعة الأجهزة الكهربائية والإلكترونية.

بحيث عملت الإدارة الاقتصادية في اليابان على تكامل الصناعات الصغيرة والمتوسطة مع خطوط إنتاج الصناعات الكبيرة، فلك أن تعلم مثلا، أن الصناعات الصغيرة والمتوسطة اليابانية تسهم في قطاع مثل قطاع تصنيع السيارات بنحو 60% من مستلزمات إنتاج شركة جنرال موتورز الأمريكية، و45% من مستلزمات إنتاج شركة رينو الفرنسية، كما تسهم تلك الصناعات بـ30% من إجمالي الصادرات الصناعية اليابانية، وتوفر نحو 20% من صادرات المؤسسات الصناعية الكبرى اليابانية، أما على صعيد العمالة فتستوعب المشروعات الصغيرة والمتوسطة اليابانية 84.4% من اجمالي العمالة الصناعية باليابان.

ولكن ما الذي قدمته الحكومة اليابانية لتلك المشروعات حتى تحقق تلك الإنجازات الجبارة؟

تخبرنا الدراسات أن الدعم الحكومي لتلك المشاريع لم يقتصر فقط على تقديم الدعم التقني والإداري والمجهود البحثي الكبير الذي يقدمه مكتب المؤسسات الصغرى والمتوسطة التابع لوزارة التجارة الخارجية والصناعة الذي تم إنشاؤه عام 1984، بل قدمت الحكومة اليابانية رأس المال بشكل مباشر لتلك الصناعات من خلال المؤسسات المالية الحكومية، كذلك عملت على التأمين ضدد مخاطر الديون المتعثرة لتلك المشاريع لدى البنوك، مما سهل توفير التمويل الذي تحتاج لتنمية نشاطها، ولم تكتفي الحكومة اليابانية بذلك بل قامت بتوفير الدعم التسويقي لمنتجات تلك المشاريع، حيث تنشر الحكومة اليابانية بشكل دوري خططها السنوية بشأن مشترياتها من الصناعات الصغيرة والمتوسطة، كما يلزم القانون جميع المنظمات الحكومية وشبه الحكومية بإتاحة الفرصة أمام هذه المشروعات للحصول على العقود الحكومية.

كذلك عملت الإدارة الاقتصادية في بلدان مثل إيطاليا، وألمانيا، على دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة في بلدانها تحت ستار من الحماية والدعم الحكومي المباشر ماليا وإداريا، واعتمدت سياسات لتنمية تلك المشاريع مثل سياسة المناطق الصناعية الكبرى الذي تعمل على تجميع آلاف المشاريع الصغيرة والمتوسطة في مناطق جغرافية واحدة، بحيث تتكامل فيما بينها وتستفيد من مزايا الدعم الحكومي في قطاع البنية الأساسية والمرافق العامة.

كذلك أنشأت تلك الدول معاهد بحثية ومراكز تدريب لإعداد العاملين على تلك المشروعات بشكل علمي بما يخدم الصناعة الوطنية وعملية التنمية في تلك الدول، ففي إيطاليا على سبيل المثال، يوجد نحو 100 منطقة صناعية في شمال ووسط البلاد موزعة على 55 ألف وحدة إنتاجية ويعمل بها ما يزيد عن نصف مليون عامل في عدة صناعات مثل النسيج والأحذية والملابس الجاهزة.

وفي بلدنا التي يريد مسئولوها أن تتخذ من “الشاورما السوري” طريقا لها، بلغ عجز الميزان التجاري بها 38.3 مليار دولار تقريبا في عام 2015، حيث استوردنا ملابس أطفال ما بقيمة 275 مليون دولار، وبلوزات حريمي بـ159 مليون دولار، وبدل للسيدات بـ103 مليون دولار، وتلفونات محمولة بـ1.3 مليار دولار.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل تنقصنا الإرادة السياسية أو القدرة الاقتصادية لإنشاء مصانع صغيرة ومتوسطة لإنتاج ملابس أطفال وملابس داخلية للنساء؟ وهل تلك البيانات لا تتوافر لمسئولينا العظام حتى يغضوا النظر عنها ويركزون في الشاورما السوري؟

وبعد أن أنهكتني الأسئلة والأرقام، عدت مرة أخرى إلى مقعدي أمام التلفاز، أشاهد تصريحات حكومتنا العظيمة ووعود رئيسنا الطموحة، التي تعاد مئات المرات ليلا ونهارا على شاشات رجال أعمال خارجين لتوهم من تسويات بشأن قضايا فساد بمليارات الجنيهات، تتعلق بالتهرب الضريبي والاستيلاء على أراضي الدولة، لأتذكر أن رئيس حكومتنا، شريف إسماعيل، نفسه، كان أحد قيادات وزارة البترول التي باعت الغاز المصري لإسرائيل بنصف الثمن في الأسواق العالمية آنذاك.

عن محمد عبدالحليم

باحث اقتصادي وعضو بحزب التحالف الشعبي الاشتراكي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*