الرئيسية » مقالات » المسألة الكردية 

المسألة الكردية 

إذا أردنا فهم المسألة الكردية علينا النظر أكثر عمقاً إلى فترة نشأة القوميات المختلفة في منطقتنا وما حولها، أي إلى فترة انهيار الإمبراطورية العثمانية. لم تكن الإمبراطورية العثمانية دولة استعمارية بمعناها الحديث. كان هيكل السلطة الإقطاعية فيها – كمثيلاتها في تاريخ العصور الوسطى – يتحدد أساساً بمنطق طبقاتها الحاكمة لممارسة السلطة وأعاده انتاجها بالدرجة الأولى، أي لا يأبه بالضرورة بأسلوب انتزاع فائض القيمة من الطبقات الدنيا في المجتمعات شديدة الاختلاف التي تكونت منها هذه الإمبراطورية. لم يختلف في هذا الشعوب العربية عن شعوب البلقان أو حتى الأتراك أنفسهم. فقد حرص السلطان/الخليفة على تدعيم بلاطه برؤوس الأرستقراطية من كافة أو أغلب الجنسيات أو الإثنيات المختلفة التي شكلت الطبقات الحاكمة في شعوبها وربطها بهيكل السلطة المركزية، وبذلك ضمن ولاءها في أعاده إنتاج نفس النظام الإقطاعي.

 

أدى هذا النظام إلى نشوء انفصام شبه كامل بين ثقافة المركز ذي البيروقراطية المركزية السلطوية الحاكمة وثقافة الأطراف المختلفة. أما اللغة فقد كانت ومازالت أهم عناصر تلك الثقافات. لم يكن الفلاحون في كل بلدان الإمبراطورية مترامية الأطراف بحاجة إلى إتقان لغة بيروقراطية المركز، فقد كانت لهم دائماً لغتهم الخاصة والتي تماست مع المركز في أضيق الحدود دائماً. كان هذا الوضع طبيعياً ومستقراً منذ نشأة الإمبراطورية العثمانية في القرن الخامس عشر وحتى بدء دخولها عصر التحديث في القرن التاسع عشر.

 

التحديث معناه بداية انتشار التعليم وتبلور نوع جديد من الطبقات الوسطى تختلف عن مثيلاتها في العصور الوسطى. ومع بداية التعليم لم يعد من الممكن الاستغناء أو تجاهل اللغة. من هنا بدأت المشكلات في الظهور عندما بدأت كل “قومية” في المطالبة بحقوقها الثقافية الخاصة بها، لاسيما اللغة. بدأ ظهور تلك الحركات القومية في القرن التاسع عشر تحت قيادة طبقاتها الوسطى الوليدة والصاعدة في البلدان العربية والبلقان وإيران وتأخر الأكراد عن هذا الركب في بدايته.

 

مع إنهيار الخلافة في تركيا وحلول نظام سايكس – بيكو محلها في كل أطراف الإمبراطورية بدأت مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة، فقد حرص الاستعمار الغربي على رسم حدود لكل دول المنطقة دون الأكراد، الذين تقسموا على كل من تركيا وسورية والعراق وإيران. لم يكن هذا التقسيم – أو التجاهل – الاستعماري مصادفة أو خطأ بل كان عمداً مع سبق الإصرار والترصد.


جاءت ردود أفعال دول التواجد الكردي الأربع متباينة تجاه الأكراد. فبينما تسامح النظامان في إيران وسورية مع تواجد كل من الثقافة واللغة الكرديتين جنباً إلى جنب مع الثقافة واللغة الإيرانية والعربية، رفض أتراك التحديث بحسم يشوبه التعصب السماح بوجود هوية غير تركية على الأراضي التركية بعد تحريرها من نظام الخلافة. وسرعان ما تحول هذا الرفض إلى صراعات دموية متواصلة، أراها تعمقت وامتدت إلى يومنا هذا. إما في العراق فكان الموقف شديد الالتباس بسبب اكتشاف البترول مبكراً في المناطق الكردية هناك.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.